عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
509
اللباب في علوم الكتاب
وامتثال أمرهما ، وإزالة الرّقّ عنهما ، و « إحسانا » نصب على المصدر ، وناصبه فعل مضمر من لفظه ، تقديره : وأحسنوا بالوالدين إحسانا . قوله : « مِنْ إِمْلاقٍ » « من » سببيّة متعلّقة بالفعل المنهيّ عنه ، أي : « لا تقتلوا أولادكم لأجل الإملاق » . والإملاق : الفقر في قول ابن عبّاس . وقيل : الجوع بلغة « لخم » ، نقله مؤرج . وقيل : الإسراف ، أملق أي : أسرف في نفقته ، قاله محمد بن نعيم اليزيدي « 1 » . وقيل : الإنفاق ، أملق ماله أي : أنفقه ، قاله المنذر بن سعيد ، والإملاق : الإفساد أيضا ، قاله [ شمر ] « 2 » ، قال : « وأملق يكون قاصرا ومتعدّيا ، أملق الرّجل : إذا افتقر فهذا قاصر ، وأملق ما عنده الدّهر ، أي : أفسده » . وأنشد النّضر بن شميل على ذلك قول أوس بن حجر : [ الطويل ] 2381 - ولمّا رأيت العدم قيّد نائلي * وأملق ما عندي خطوب تنبّل « 3 » أي : تذهب بالمال ، « تنبّلت بما عندي » : أي ذهبت به ، معنى الآية الكريمة : لا تقتلوا أولادكم خشية العيلة . وفي هذه الآية الكريمة قال : « نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ » فقدّم المخاطبين ، وفي « الإسراء » : قدّم ضمير الأولاد عليهم ، فقال : « نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ » فقيل : للتّفنّن في البلاغة . وأحسن منه أن يقال : الظّاهر من قوله : « مِنْ إِمْلاقٍ » حصول الإملاق للوالد لا توقّعه وخشيته ، فبدىء أوّلا بالعدة برزق الآباء ؛ بشارة لهم بزوال ما هم فيه من الإملاق . وأمّا في آية « سبحان » [ الإسراء : 1 ] فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون حصول الفقر ؛ ولذلك قال : خشية إملاق ، وإنما يخشى الأمور المتوقّعة ، [ فبدأ فيها بضمان رزقهم ، فلا معنى لقتلكم إيّاهم ، فهذه الآية تفيد النّهي ] « 4 » للآباء عن قتل الأولاد ، وإن كانوا متلبّسين بالفقر ، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا موسرين ، ولكن يخافون وقوع الفقر ، وإفادة معنى جديد أولى من ادّعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتّأكيد . فصل في حكم العزل قال القرطبي « 5 » : استدل بعضهم بهذه الآية الكريمة على منع العزل ؛ لأن قتل الأولاد رفع للموجود ، والعزل منع لأصل النّسل فتشابها ، إلا أن قتل النّفس أعظم وزرا ، وأقبح فعلا ، ولذلك قال بعض العلماء : إنه يفهم من قوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا عليكم في
--> ( 1 ) في أ : الترمذي . ( 2 ) في ب : شهر . ( 3 ) ينظر : ديوانه 94 ، الدر المصون 3 / 216 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : القرطبي 7 / 87 .